كلمة رئيس الإتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري بمناسبة العيد الوطني للفلاحة

كلمة رئيس الإتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري

بمناسبة الاحتفال بالذكرى الثانية و الخمسين للجلاء الزراعي

والعيد الوطني للفلاحة 12 ماي 2016

 بسم الله الرحمان الرحيم
والصلاة والسلام على اشرف المرسلين

حضرة السيد الحبيب الصيد رئيس الحكومة
السيد سعد الصديق وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري
السيدات والسادة الوزراء
السيدات والسادة أعضاء مجلس نواب الشعب
السيد حسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل
السيد سمير ماجول نائب رئيسة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية
السيدات والسادة ممثلي الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني

حضرات الإخوة والأخوات،
يسعدني أصالة عن نفسي ونيابة عن زملائي السادة أعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري وباسم كافة الفلاحين والبحارة أن أرحب بالأسرة الفلاحيّة الموسعة من إطارات وخبراء وجامعيين وباحثين وممثلي الهياكل الإدارية والمهنية المعنية  وأن أرفع لكم جزيل الامتنان على تفضلكم بتلبية دعوتنا ومشاركتنا احتفالاتنا باليوم الوطني للفلاحة والصيد البحري الذي يصادف هذه السنة الذكرى الثانية والخمسين للجلاء الزراعي الذي نعتبره احد مقومات التحرر والاستقلال والسيادة الوطنية.
وإننا في الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري إذ نتقدم بخالص التهاني إلى كل الفلاحين والبحارة بهذه الذكرى مستحضرين نضالاتهم المشرفة في معارك التحرير الوطني وتفاعلهم المسؤول مع قضايا بلادنا المصيرية وتضحياتهم الجسيمة من اجل تامين قوت الشعب وتحقيق أمننا الغذائي.

حضرات الإخوة والأخوات
إن ما يعيشه المنتجون في البر والبحر من أوضاع اقتصادية واجتماعية متردية وواقع يزداد للأسف قساوة يوما بعد يوم إنما هو نتيجة طبيعية للمقاربات الخاطئة التي راكمت مشاكل القطاع وأقصته من دائرة الاهتمام الرسمي وألقت به الأنظمة الاقتصادية المتعاقبة في أتون التهميش وقادت إلى تفقير الفلاحين .
فالمشاكل الجمّة التي تتخبط فيها معظم منظومات الإنتاج والإرباكات التي تشهدها في زمن الوفرة كما في وقت الندرة ما يزال الفلاح يتحمل وحده وللأسف أعباءها …وهذا اكبر شاهد على اختلال الاستراتيجيات الموضوعة وضبابية الخطط المرسومة وغياب الأهداف المدروسة والواضحة وعدم التعاطي الجدي مع ملفات القطاع ومع مشاغل أهله … وهو أيضا اقوي دليل على أن الفلاحة غائبة تماما عن دائرة الاهتمام الرسمي وبعيدة للأسف عن حسابات صناع القرار
فرغم التطور النسبي الذي سجل على مستوى الإنتاج الفلاحي كما ونوعا وتطور الصادرات إلا أن جملة السياسات المنتهجة منذ الإستقلال وإلى حد الآن لم تقو على معالجة نقاط الضعف والمخاطر التي تتهدد القطاع وتؤثر سلبا على مردوديته حيث خلف تراكم التجارب والمقاربات الخاطئة في قطاع الفلاحة والصيد البحري العديد من الإشكاليات الهيكلية أهمها تراجع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي الخام وضعف الاستثمار وعدم نجاعة سياسة التمويل وما تسببت فيه من مديونية خانقة زيادة على الأوضاع العقارية الشائكة والكلفة المرتفعة وسياسة الأسعار غير العادلة وجشع قوى السوق التي لا هم لها سوى ابتزاز محاصيل المنتجين ومحدودية آليات الإحاطة والدعم والمساندة والحماية الموجهة إلى الفلاح وتداخل الأدوار وضعف الهيكلة دون أن ننسى استفحال تأثيرات التقلبات المناخية وتداعيات الكوارث الطبيعية والآفات المرضية وضغوطات المنافسة الخارجية…وهو ما أدى بالضرورة إلى تراجع رهيب للمردودية الاقتصادية للقطاع وتقهقر مداخيل الفلاحين وتكبدهم الخسائر الفادحة و أفضى إلى عزوف الشباب عن تعاطي هذا النشاط وهجر الأرياف وهذا ما يجعل للأسف عدة تساؤلات تطرح بإلحاح في هذه الظروف حول مدى جدية مراهنة الدولة على هذا القطاع وتعويلها على قدراته في رفع تحديات التشغيل والاستثمار وترسيخ مقومات الاستقرار و التنمية.

حضرات الإخوة والأخوات
لعل الصورة قاتمة تلك التي أكشف عنها لكنها للأسف تلك هي الحقيقة لذلك فإننا نتطلع إلى تعميق الوعي العام بالمسالة الفلاحيّة التي ينبغي أن تكون في صدارة أولوياتنا الوطنية بحيث يجب أن ينظر إلى الفلاحة كامتداد للسيادة وعنوان بارز من عناوين المرحلة القادمة باعتبارها تمثل مستقبل اقتصادنا ودعامة صلبة لمحاربة الفقر والتهميش وردم الهوة التنموية بين الجهات وتوفير موارد الرزق ومواطن الشغل وترسيخ السلم الاجتماعية والأمن شرط أن تحظى بحقها من الرأسمال الوطني وبمخطط تنمية شامل يتدارك نواقص الماضي ويستوعب متطلبات المستقبل.

حضرات الإخوة والأخوات
إن الفلاحين والبحارة لعلى قناعة راسخة بان نجاح الانتقال الديمقراطي يبقى رهين مدى توفقنا في تحقيق الانتقال الاقتصادي .غير انه لا يمكن الحديث عن انتقال اقتصادي حقيقي ما لم يتم تعديل بنية اقتصادنا الوطني وإعادة ترتيب أولوياته بشكل يجعل من قطاع الفلاحة والصيد البحري ركيزته الأساسية وفي هذا الإطار فإننا نعتبر ان الثورة التونسية قد كشفت عن حقائق فاضحة حول سياسة التمييز المنتهجة ضد هذا القطاع وهو ما يدعو الجميع إلى فتح كل الملفات المكبلة للقطاع والمشلّة لقدرات الفلاحين والسالبة لحقوقهم . وبالتالي فان نجاح الانتقال الاقتصادي مرتبط في مداه العميق بمعالجة القضايا الحقيقية للفلاحين والبحارة وبرد الاعتبار الى هذا القطاع الذي يرتكز عليه اقتصاد الجهات المحرومة.

حضرات الإخوة والأخوات
انه من هذا المنطلق نادينا بصوت عال بالإسراع لتنظيم حوار وطني لمراجعة السياسة الفلاحية وأطلقنا هذه المبادرة منذ انعقاد مؤتمرنا الوطني الخامس عشر في شهر ماي 2013 وذلك تجسيما للإرادة التي عبر عنها الفلاحون والبحارة ومحاولة للإجابة عن هواجسهم تجاه مستقبل هذا القطاع في خضم التحولات التي تعيشها بلادنا
وقد أردناه ان يكون حوارا وطنيا شاملا وصريحا باتم معنى الكلمة وهو حوار تشاركي يسع مختلف الحساسيات السياسية وتشارك فيه كل المنظمات ومكونات المجتمع المدني وكافة الهياكل الإدارية والمهنية والمؤسسات المعنية لان المسالة الفلاحية تظل قضية وطنية بامتياز وشان يهم الجميع لكل فيها دوره ووظيفته كما حرصنا على توخي المنهجية العلمية و الموضوعية والناي بهذا الحوار عن اي تجاذب او توجيه لدفته والابتعاد عن الأفكار المسبقة والقوالب الجاهزة والحلول المسقطة
وبهذه المناسبة فإننا ننتهز هذه الفرصة للتوجه بالشكر إلى لجنة القيادة وان نثني على الجهود المخلصة التي بذلتها ثلة من خيرة الإطارات والخبراء والمختصين الأكفاء  والذين يسهرون على إدارة هذا الحوار الذي انطلق منذ يوم 23 ديسمبر 2015 تحت سامي إشراف السيد رئيس الحكومة
ولعل برنامج العمل الذي وقع ضبطه من خلال الانطلاق بعقد المنتديات الجهوية والملتقيات الوطنية التي انتظمت وورشات العمل التي تخللتها والتي لاقت إقبالا كبيرا ومشاركة واسعة وما تمخضت عنه من توصيات هامة ساهم بشكل ملحوظ حسب رأينا في نجاح المرحلة الأولى من هذا الحوار وساعدنا على إعداد الورقة الأولى تمهيدا لمزيد التعمق فيها في المرحلة الثانية
حضرات الإخوة والأخوات
إننا ننتظر الكثير من هذا الحوار لأننا نطمح من خلاله إلى أن نهتدي معا إلى حلول جذرية ناجعة لمجمل ملفات القطاع وان نقطع إلى الأبد مع سياسة المسكنات و الحلول الترقيعية التي أثبتت التجربة أنها تخفف من حدّة الألم لكنها لا تداوي اصل العلل …
اننا نريد بهذا الحوار ان نرفع المعيقات المزمنة الجاثمة على كاهل هذا القطاع والمكبلة لجهود الفلاحين والبحارة وهي التي ادرجناها ضمن محاور كبرى على غرار الاستثمار والتمويل والتامين والاحاطة الاجتماعية والتشغيلية والتاطير ومنظومات الإنتاج والصيد البحري وتربية الأحياء المائية والأوضاع العقارية والموارد الطبيعية والتجديد التكنولوجي ومسالك التوزيع والتسويق وحوكمة القطاع.
وعلى ضوء تلك الحلول يمكن أن نعمل تدريجيا على بلورة رؤية إصلاحية مستقبلية مشتركة نبني على أساسها منوالا تنمويا بديلا لقطاع الفلاحة والصيد البحري حتى يكون فعلا المحرك الأساسي للتنمية والعمود الفقري للاقتصاد الوطني و قادرا على اكتساب القيمة المضافة العالية ومواكبة التطورات التكنولوجية والتأقلم مع التغيرات المناخية والمستجدات العالمية ورفع تحديات المنافسة
وإننا كفلاحين وبحارة رجالا ونساء نراهن على هذا الحوار لأنه سيحيي الأمل من جديد في نفوسنا وسيعزز ثقتنا وثقة شبابنا والأجيال القادمة في مستقبل هذا القطاع إذا ما توفرت لهم المردودية المجزية و مقومات العيش الكريم.
فمتى كان الفلاح بخير مستقرا بأرضه يكون الوطن بخير.

حضرات الإخوة والأخوات
انه لا تنمية حقيقية إلا بفلاحة مزدهرة …ولا اقتصادا قويا دون أن تكون الفلاحة محركه وقوة دفعه.لذلك لابد من الحرص على التعاطي مع القطاع على أساس منظومات متكاملة ومترابطة الحلقات يما يراعي مصالح وحقوق كافة الأطراف المتدخلة وخاصة حلقة الإنتاج التي تظل الأكثر هشاشة والأكبر تضررا.
ختاما أجدد تمنياتي بمناسبة احتفالنا باليوم الوطني للفلاحة والصيد البحري بان تكلل أشغال الحوار الوطني في كامل مراحله بالنجاح والتوفيق لما فيه خير فلاحتنا وفلاحينا في البر والبحر ولما فيه خير وطننا العزيز
كما انتهز هذه الفرصة لاهنئ كل الإخوة المكرمين من العائلة الفلاحيّة الموسعة من فلاحين وبحارة وذلك نظير الجهود التي بذلوها من اجل تطوير قطاع الفلاحة والصيد البحري ومكافأتهم على تميزهم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته